📁 آخر الأخبار

قراءة في نص "احتاج يدك" للشاعرة غزالة الحريزي

"احتاج يدك" نص شعري جميل ومؤثر للشاعرة الليبية غزالة الحريزي قرأته في موقع طيوب المتميز الذي يواصل أحتفائه بمظاهرالثقافة والشعر والأدب في ليبيا والوطن العربي . شدني نص غزالة وحفزني للكتابة عنه. نص ابداعي مكثف، جسد بصوت مؤثر عمق المشاعر الإنسانية في لحظات الضعف والخذلان. نص أمسكت فيه الشاعرة وبإقتدار   ببنية رمزية مكثفة، تتداخل فيها مشاعر انسانية مع مفاهيم وجودية عن الحاجة، والفقد، والخيانة، والانتماء إلى وطن يبدو في عين غزالة بعيد المنال.

الشاعرة الليبية غزالة الحريزي


📅 الخميس 03 ابريل 2025م
✍️: سالم أبوظهير

🔹 الشاعرة 

الشاعرة غزالة الحريزي،أصيلة مدينة صرمان، بدأت رحلتها الشعرية في مركز مدينتها الثقافي ، وواصلت نشر نتاجها في صحف محلية ودولية، وفي مواقع تهتم بالشعر والأدب، كما شاركت في أحياء امسيات شعرية داخل ليبيا وخارجها. نشرت ديوان "تراب الحدائق النائمة" ومجموعة "حكايا للرجل الصالح شهريار"، ولديها عدة مخطوطات قيد النشر. كما كتبت القصة القصيرة، ونشرت مجموعتها القصصية الأولى«غرفة رجل مبعثرة» ، لديها تجارب صحفية واذاعية ناجحة ، وهي باحثة في مجال المراءة والطفل و ناشطة من ناشطات المجتمع المدني في ليبيا.

🔹 النص 

الوحل يغرقني
والحزن
جب لم يقع فيه يوسف
تعالى لنقترف معا
جرما لا يغتفر
و نلبس ثوب أخوته
لنقتل الحزن المضمخ بالقصائد
و ندفن الحرف الكافر
تعالى حافيا كوطن مسلوب
و جائعا و خائفا
و متردي
بين الثوريين
و القبليين
و الوطنيين
و لا أنصار له
كبوصلة لا تشير للغافلين
كقديس في حارة السكارى
كنص يقراء بثلاث روايات
كلما صارت الصلاة وجه للحب
و نحن كسجائر السجناء
تبكينا الصحوة
و لا ننطفئ
و لا وطن متسع للبكاء
و لا جيش ينتشل رفات الحزن الماثل
بين يدي و يدي
احتاج يدك
كوطن أخضر
كسنبلة قمح
بلا ريح تلوح
في المدى المتسع
كما الوطن
يقتل فيه الحزن بالحزن
أخوة يوسف في المقاهي
ينكئون الجراح
و يرمون في الجب الغريم
لم يقرؤون بعد
عن شيخوخة الأوطان
و إنكسارها
و انحسارها
قرب مرافي قاحلة
احتاج يدك
للغيمة السافرة
في زمن اليباس
للريح المتوعد
ستار خيمة
لجنود الوهم
لقلب غوته الأماني
ليد علقت عند بوابة قديمة

🔹 القراءة

🔹 عنوان: بسيط ممتنع

    عنوان من كلمتين "احتاج يدك" بسيطاً أكثر مما يبدو، تكررفي النص مرتين ، لكنه حمل معان شديدة أعمق من طلب العون والمساعدة، وأكثر من الحاجة ليد تساعد وتعين وتربت.عنوان لخص حاجة الشاعرة لسند في لحظة ضعف، وحاجتها ليد تعيد التوازن لذات مممزقة وهوية ضائعة ووطن مفقود..!!!
    اليد في عنوان النص ليست مجرد امتداد جسدي عضوي، بل هي رمز جلي واضح لدعم عاطفي ونفسي تحتاجه غزالة لينتشلها من حالة التيه والانكسار. "احتاج يدك" عنوان صاغته الشاعرة بما قل ودل، وبما يجعل القارئ يدلف مباشرة إلى أجواء النص ليجده حافلاً بأسئلة وجدانية معلقة تتعلق بالخذلان، والوحدة، والانتماء في أن ..!!!!

🔹 صور شعرية وبنية رمزية

    أعتمدت غزالة في نصها على صور شعرية مكثفة، منحت القارئ إحاسيس متباينة بالحالة الوجدانية التي تمر بها. نص عكس صراعًا داخليًا بين حاجة الشاعرة إلى دعم "يد الآخر"، و"الوطن"،و"الأمان"  وبين إدراكها أن هذا الدعم قد لا يأتي أبدًا. كل هذا والشاعرة في النص تعيش حالة من الخذلان والقلق الوجودي، حيث تبدو محاصرة بين ماضي كان أكثر استقرارًا وحاضر مليء بالضياع.تأمل معي قولها بمرارة، "الوحل يغرقني" فرغم ان هذا الوحل لايمكن أن يكون فقط ذلك المستنقع المادي الذي أغرقها، لكنه إشارة مؤثرة الى تلك البيئة الفاسدة التي نجد أنفسنا غارقين فيها مع الشاعرة ، وهو بكل تأكيد رمز قوي لحالة نفسية عالقة في مكان يصعب الفكاك منه. حالة تمثل بأسى والم ماتمر به الشاعرة من عجز، وقيود إجتماعية، وخذلان يُثقل الروح.
    وفي تناص جميل من سورة يوسف الذي وظفته غزالة بقولها "جب لم يقع فيه يوسف" توظف غزالة الخيانة كعنصرأساسي في النص كله فيوسف وقع في الجب بخيانة أخوته، لكنه في النص أشارة الى مزيد من الخيانات القادمة طالما الجب لازال موجود ويوسف لم يقع فيه بعد.
والشاعرة تقول "احتاج يدك" لترشدها للطريق الصحيح، فهي تبحث عن يد تمتد إليها وسط بحر من اللامبالاة والخذلان.وفي لحظة نجدها تقول: "أن البوصلة لاتشير للإتجاه ولاترشد للطريق الصحيح "كبوصلة لا تشير للغافلين"وهذا يعكس حالة فقدان المعنى والاتجاه في الحياة،، فقدان مرتبط بالآخرين، الغافلون عن معاناة الذات الشاعرة أو ربما هم سبب هذا الضياع.
وفي مواضع أخرى في النص تزخر بالرمزية، وتربط الشاعرة فيه (بشجاعة) نصها برمته بالبُعد السياسي والوطني، حيث يبدوالوطن"كوطن مسلوب"، ووطن مقسم "يقراء بثلاث روايات" ووطن بلا جيش " لا جيش ينتشل رفات الحزن الماثل" ووطن بيد ضائعة غير قادرة على إنقاذ أبناء الوطن "بين يدي و يدي احتاج يدك كوطن أخضر" ولذلك فالوطن عند الشاعرة في هذا النص الوطني ليس مجرد مكان، بل هو رمز للأمان المفقود والخذلان المستمر. وفي موضع اخر تقول "لا وطن متسع للبكاء"فتحول غزالة الوطن نفسه لمكان ضيقًا، خانقًا، ولم يعد يتسع حتى لممارسة الحزن!!.

🔹 زمان وأمكنة

الزمان في النص يتحرك بين الماضي "كوطن أخضر" والحاضر"كوطن مسلوب"، وبين ما كان وما هو كائن الآن. تنقلنا غزالة بين وطن "كسنبلة قمح بلا ريح تلوح" وبين وطن " مسلوب يقتل فيه الحزن بالحزن" وتتركنا نتجرع  إحساس الخسارة والحنين إلى زمن كان أكثر استقرارًا وأقل خذلانًا. مقابل زمن مليء بالتخبط والضياع.
 أما المكان، أزعم أن الشاعرة أرتأت أن يكون غير ثابت، وأكتفت بتحميله  دلالات واضحة ومنها : "الوحلكمكان يرمز للعجز وعدم القدرة على فعل شىء و"الجبكرمز للمؤامرات والخيانة الي تحاك و"الوطن المسلوب"كحالة نفسية أكثر من كونه موقعًا جغرافيًا كما كل الأماكن السابقة لتشكل كلها أكثر مما تشكل فضاءً مادّيًا، وهذا يعكس الذات المأزومة للشاعرة. التي توحي بأن هناك إحساس عند الشاعرة يشير الى أن الخيانة ليست مجرد فعل فردي، بل حالة جمعية تصيب الأوطان والأفراد على حد سواء.

🔹 لغة وإيقاع وفلسفة

حرصت غزالة  وأحسبها نجحت بإقتدار في ذلك على أن تجمع في نصها لغة فيها البساطة التعبيرية والعمق الرمزي ، فأستخدمت مفردات جعلت من النص شديد القتامة فنجد في النص "الحزن"و"السلب"و"الوحل"و"الخذلان"لكننا نجد في النص "وطن أخضر"و"سنبلة قمح"و"ستار خيمة"مما يرسم خيطا خافتاً رفيعا من الأمل وإن كان هذا الأمل يبدو هشًا وغير مضمون. 
أما الإيقاع، فهو حر وغير مقيد بتفعيلة محددة، مما منح النص طابعًا شخصيًا حميميًا وكأنه اعتراف ذاتي أو مناجاة داخلية. والتفاوت في طول الجمل جعل الإيقاع متذبذبًا، وهو ما يعكس تموّج الحالة النفسية للشاعرة بين الحزن والأمل.
ويظهرالنص تأثر الشاعرة بالواقع الليبي، حيث تعبر عن مشاعر الحزن والضياع والبحث عن الخلاص. فتستخدم أسلوبًا شعريًا يجمع بين الرمزية والواقعية، مع توظيفها لصور دينية وتاريخية تعزز من تأثير النص.​
وعلى المستوى الفلسفي، يدورالنص حول اغتراب الذات عن محيطها، سواء كان هذا المحيط هو المجتمع أوالوطن، ويناقش قضايا وأسئلة كبرى معلقة حول الخيانة، والاغتراب، والحاجة إلى الانتماء. وهل الإنسان حقًا قادر على إيجاد يد تمتد له عندما يحتاجها؟ أم أن الوحدة قدر لا مفر منه؟ هذه الأسئلة تظل مفتوحة في النص، مما يمنحه بعدًا تأمليًا عميقًا.ويجعل منه شهادة على واقع متآكل، ورغبة عميقة في النجاة مع كونه نصا ابداعيا عن الحب أو الحزن .

🔹 وأخيراً

"احتاج يدك" ليس مجرد نص عن الحزن والوطن ، بل هو صرخة ضد الخذلان والضياع. الشاعرة سلطت الضوء ببراعة على هشاشة الإنسان في مواجهة الخيانة، وعلى حاجته الدائمة لمن يسانده في أوقات الضعف. لكن في الوقت ذاته، يظل النص مفتوحًا على التأويل، حيث لا يقدم إجابة واضحة: هل ستجد الذات يدًا تمتد لها أم أن المصير هو الاستمرار في التيه؟ 
"احتاج يدك" نص وجودي بامتياز، يعكس التمزق الإنساني بين الحاجة إلى الانتماء وبين الفرقة والخيانة .ويطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، مما يجعله مساحة مفتوحة للتأمل في معاني الخذلان، الحب، والوطن.
"احتاج يدك" نص يدو ظاهرياً أنه قصير، لكنه طويل جداً وربما أطول مما ينبغي ، حين نجحت كاتبته غزالة الحريزي في تقديم تجربة شعرية غنية، طرحت من خلالها ماتريد بأسلوب شاعري مكثف ،فتتجاوزت حدود الحزن العابر لتصل إلى جوهر الإنسان في صراعه المستمر بين الأمل واليأس.

🔑 كلمات مفتاحية: 
 غزالة الحريزي، نقد شعر عربي، تحليل نص شعري، احتاج يدك غزالة الحريزي،الرمزية في الشعر، تحليل الصورة الشعرية،قراءة نقدية للنصوص الشعرية
صحيفة المنظار الليبية
صحيفة المنظار الليبية
تعليقات